علي بن أحمد المهائمي
502
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الفص اليونسي فص حكمة نفسية في كلمة يونسية أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بالنفس الإنسانية من حيث توسطها بين الروح والجسم ؛ لاكتساب الكمالات من الجانبين إلى أن يصير صورة كاملة للحق الجامع ، فيتم تدبيرها بالحق لبدنها ، وبدن من يناسبها ذلك العلم بزينته ، وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى يونس عليه السّلام ، حيث تم تدبير نفسه لبدنها حتى حفظته في بطن الحوت إلى يوم يبعثون ؛ وذلك لأمانه عن التلف ؛ لأنه حرم على الأرض أجساد الأنبياء ، وقد سرت أنوارها إلى قومه فآمنوا ، فقبل إيمانهم بعد شهود أمارة العذاب ، ورفع عنهم بعد نزوله ، ثم لم يزل يدبرهم ، وهم مائتا ألف أو يزيدون . [ اعلم أنّ هذه النّشأة الإنسانيّة بكمالها روحا وجسما ونفسا خلقها اللّه على صورته ، فلا يتولّى حلّ نظامها إلّا من خلقها ، إمّا بيده وليس إلّا ذلك أو بأمره ، ومن تولّاها بغير أمر اللّه ؛ فقد ظلم نفسه وتعدّى حدّ اللّه فيها وسعى في خراب ما أمره اللّه بعمارته ، واعلم أنّ الشّفقة على عباد اللّه أحقّ بالرّعاية من الغيرة في اللّه . أراد داود عليه السّلام بنيان البيت المقدس فبناه مرارا ، فكلّما فرغ منه تهدّم ، فشكا ذلك إلى اللّه تعالى فأوحى اللّه تعالى إليه : إنّ بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدّماء ، فقال داود : يا ربّ ألم يكن ذلك في سبيلك ؟ قال : بلى ، ولكنّهم أليسوا عبادي ؟ فقال : يا ربّ فأجعل بنيانه على يدي من هو منّي فأوحى اللّه تعالى إليه أنّ ابنك سليمان يبنيه « 1 » ؛ فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النّشأة الإنسانيّة ، وأنّ إقامتها أولى من هدمها ، ألا ترى عدوّ الدّين قد فرض اللّه في حقّهم الجزية والصّلح إبقاء عليهم ، وقال : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] ] . ( اعلم أن هذه النشأة الإنسانية ) فيه إشارة إلى أن حدوثها لا ينافي كونها صورة كاملة للحق الجامع ( بكمالها ) أي : باعتبار كمال مراتبها لقبول الصورة الكاملة للحق الجامع ( روحا وجسما ونفسا ) ، فإنها في هذه النشأة أكمل منها في غيرها باعتبار المرآتية خلقها اللّه على صورته الجامعة للتنزيه ، والحياة والعلم ، والإرادة ، والقدرة ، والسمع والبصر والكلام ، والظهور بذلك فيها بأتم الوجوه ، والمراد بالصورة المعنوية كما يقال : صورة المسألة كذا ، وإذا كان ( خلقها على صورته ) ، ( فلا ) يجوز أن ( يتولى حل نظامها ) الذي به
--> ( 1 ) ذكره حقي في تفسيره ( 3 / 55 ) .